قضية الربا وأزمة الأخلاق
الأستاذ ممدوح رجل مسلم ملتزم ، ورث ثروة ضئيلة قدرها عشرة آلاف من الجنيهات دخل بها شريكا مع بعض من يثق فيهم وانتهت الشركة بخسارة مؤكدة؛ خسر صداقة صديقه وخسر من ماله ألفين من الجنيهات وعاد ممدوح بما تبقى من ماله حائرا لا يعرف كيف يتصرف فيه ؛معه ثمانية آلاف من الجنيهات تفيض عن حاجته ، وهو موظف لا وقت لديه ولا علم له بشؤون المال والأعمال ، ثم هو مسلم متدين يحفظ القرآن ولا يريد أن يغضب الله بسبب هذا المال الذي معه ولا يعرف كيف يديره ولا يجد شخصا يأتمنه على استثماره !
فكر ممدوح طويلا ..
إنه إن وضع المال تحت البلاطة كان مصيره أن يلقى الله بجريمة الذى يكتنز الأموال وقرأ لنفسه قوله تعالى " وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ (34) يَوْمَ يُحْمَى عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوَى بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ هَذَا مَا كَنَزْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ فَذُوقُوا مَا كُنْتُمْ تَكْنِزُونَ (35) : التوبة " واقشعر بدنه وهو يتذكر مصيره إذا كنز ماله ومنعه من الاستثمار
الأستاذ ممدوح رجل مسلم ملتزم ، ورث ثروة ضئيلة قدرها عشرة آلاف من الجنيهات دخل بها شريكا مع بعض من يثق فيهم وانتهت الشركة بخسارة مؤكدة؛ خسر صداقة صديقه وخسر من ماله ألفين من الجنيهات وعاد ممدوح بما تبقى من ماله حائرا لا يعرف كيف يتصرف فيه ؛معه ثمانية آلاف من الجنيهات تفيض عن حاجته ، وهو موظف لا وقت لديه ولا علم له بشؤون المال والأعمال ، ثم هو مسلم متدين يحفظ القرآن ولا يريد أن يغضب الله بسبب هذا المال الذي معه ولا يعرف كيف يديره ولا يجد شخصا يأتمنه على استثماره !
فكر ممدوح طويلا ..
إنه إن وضع المال تحت البلاطة كان مصيره أن يلقى الله بجريمة الذى يكتنز الأموال وقرأ لنفسه قوله تعالى " وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ (34) يَوْمَ يُحْمَى عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوَى بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ هَذَا مَا كَنَزْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ فَذُوقُوا مَا كُنْتُمْ تَكْنِزُونَ (35) : التوبة " واقشعر بدنه وهو يتذكر مصيره إذا كنز ماله ومنعه من الاستثمار
ثم إنه لا يريد انفاق هذا المال على كماليات لا ضرورة لها . وهو يعتبر أنه إن أنفق هذا المبلغ في شراء سلع غير ضرورية كان مبذرا ، وتذكر قوله تعالى " وَلَا تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا (26) إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِرَبِّهِ كَفُورًا (27) : الإسراء " .
واستعاذ الأستاذ ممدوح من الشيطان الرجيم
وطرأ له أن يتبرع بالمبلغ كله في سبيل الله ، ولكنه يعرف أن القرآن ينهى عن ذلك مراعاة للتوسط في الإنفاق في سبيل الله، وهو يردد قوله تعالى " وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا (67) الفرقان " " وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَحْسُورًا (29) : الإسراء " . ثم من أدراه ان من سيعطيهم التبرع سيكونون أمناء على الأموال ؟
الأستاذ ممدوح يخرج من مرتبه ودخله العادي حق الله في الصدقة والزكاة ومعنى ذلك أن مبلغ الثمانية آلاف جنيه سيظل مشكلة لا يجد لها حلا . كان الحل المتاح أمامه أن يضع هذا المبلغ في البنك ولكن الحملة التترية على البنوك المصرية شوهت سمعتها أمام عينيه، خصوصا والفتاوى تترى تحرم الفوائد البنكية ، والأستاذ ممدوح رجل متدين يتقى الشبهات، لذا آثر الابتعاد عن هذه البنوك إيثارا للسلامة في دينه وآخرته .
إلا أن الأستاذ ممدوح قرأ رأيا جديدا مدعما بالآيات القرآنية يبيح التعامل مع البنوك التجارية على أساس أن القرآن استثنى من الربا المحرم ما كان منه تجارة عن تراض وبدون فوائد مضاعفة وكان الدليل قوله تعالى " يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً : آل عمران 130 " و" يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ : النساء 29 " .والأستاذ ممدوح يحفظ الآيتين ، وإن لم يفكر فيهما على هذا النحو من قبل .
زادت حيرة الأستاذ ممدوح.. ومع أن عقله يستريح للرأي الجديد الذي قرأه مدعما بالقرآن ، وهو يجد فى ذلك الرأي الجديد حلا ملائما لمشكلة المال الفائض الذي لديه الذي لا يرضى باكتنازه ولا بتبذيره إلا أن الحملة الصحفية من الشيوخ زادت ضد البنوك المصرية تتوعد المتعاملين معها بالجحيم وتتهم صاحب الرأي الجديد بالردة والكفر ، والأستاذ ممدوح يريد أن يصل إلى بر الأمان وإلى الرأي الفصل حتى يستريح باله وتختفي شكوكه. لذا ذهب الأستاذ ممدوح إلى فضيلة الشيخ الذى يتزعم حملات التكفير والارهاب الفكرى ويتوعد من يتعامل مع البنوك بالويل والثبور وعظائم الأمور. جلس أمامه فى خضوع وأفضى إليه بهمومه وشكوكه وطلب منه الحل . تحدث فضيلة الشيخ طويلا وأنصت إليه الأستاذ ممدوح كثيرا، وبعد ساعات من الصداع والصراخ والتحذير والترهيب والتخويف والتكفير خرج الأستاذ ممدوح وهو متيقن تماما أن فضيلة الشيخ لا يجيد الحديث ولا يجد الحجة والبرهان إلا عندما يتحدث عن نواقض الوضوء وموجبات الغسل والتقاء الختانيين .
في خلال الساعات التي تحدث فيها فضيلة الشيخ لم يسمع الأستاذ ممدوح دليلا ساطعا أو حجة معقولة ، وإنما أدخله فضيلة الشيخ في متاهات من الصور الفقهية واختلافات الفقهاء والمحترزات والأسانيد والحديث المنقطع والحديث المرسل .. والشيخ يلهث بين الكتب الصفراء ليؤكد أن فوائد البنوك كلها حرام بلا استثناء ، والأستاذ ممدوح يعلم أن مؤلفي هذه الكتب الصفراء قد ماتوا منذ قرون مضت وهم لا يعرفون شيئا عن البنوك وفوائدها . ولو قدر لأحدهم أن يعود للحياة وسار في شوارع القاهرة لمات ثانية من الرعب والهلع مما سيراه من مظاهر الحضارة في القرن العشرين ..
خرج الأستاذ ممدوح من عند فضيلة الشيخ وقد تيقن أنها المرة الأخيرة التي يزوره فيها فقد أحس أنه فقده للأبد ، فقد عرف أن فضيلة الشيخ يعيش الماضي ويحاول فرضه على عصرنا ، أو ربما جاء إلى زماننا على سبيل الانتداب الوظيفي ليضيف نسخة جديدة من كتب التراث الصفراء !!
وفى طريق عودته أحس بحنين جارف للقاء صديقه الأستاذ سامح صاحب النظرة الجريئة في التفكير الديني وهو مع جرأته ، التي يعانى منها ممدوح أحيانا ـ تراه مسلما عاقلا ملتزما يجيد النقاش ، ولا يتردد في أن يستفتى القرآن في مشاكل عصره والتي يعجز الشيوخ عن الخوض فيها ، والأستاذ سامح مع تدينه الشديد لم يأبه بما يقال عن البنوك بدليل أنه يعمل في أحد البنوك مثل بقية المسلمين المتمسكين بدينهم ، فالأستاذ سامح مع تدينه ولحيته يعلم أن رحمة الإسلام أرحب من ضيق الأفق الذي يحاول بعضهم فرضه على الناس باسم الإسلام .
وفى ساعة الراحة جلس الصديقان سامح وممدوح يتحاوران وقد أقتنع ممدوح بأن الحل القرآني لمشكلته هو أن يضع فائض ماله في البنك الذي يعمل فيه صديقه سامح ..
وعاد الصديقان لاستكمال الحوار ..
قال له سامح : أتدرى أنك لو أنفقت ذلك الفائض من مالك في شراء سلعة تافهة لا تحتاجها ربما أصبحت سفيها في نظر القرآن ينبغي الحجر عليك لصالح المجتمع .
وابتسم ممدوح : أبعد هذا العمر وهذه المكانة أكون سفيها ؟؟ وقرأ سامح الآية التي تتضمن المعنى " وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا وَارْزُقُوهُمْ فِيهَا وَاكْسُوهُمْ وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلًا مَعْرُوفًا (5) : النساء " .
وسرح عقل ممدوح يتفكر في الآية كأنما يسمعها لأول مرة ..وقال سامح : من الآية نفهم ان المال الذي معك هو مالك طالما أنت تحسن التصرف فيه ، أما إذا أسأت التصرف فيه وأصبحت به سفيها فالمال حينئذ يعود للمجتمع من خلال الوصي الذي يقوم على استثمار ذلك المال، وليس لك في ذلك المال ـ والذي كان لك ـ إلا الربح الذي يأتي من خلال استثماره ، لذا تقول الآية " وَارْزُقُوهُمْ فِيهَا " أى من ربحها ولم تقل " وارزقوهم منها "أي من أصل المال . ومعناه أن استثمار المال واجب اجتماعي يفرضه القرآن الذي يبيح كل أنواع الاستثمار القائمة على التراضي بلا ظلم وبلا فوائد مضاعفة تعوق التنمية .
وأثناء حديث الصديقين همس سامح إلى رفيقه : أنظر من القادم هناك ؟!!
وفوجئ ممدوح بشخصية القادم الجديد والذي لقي الترحيب من كل المسئولين فى البنك باعتباره عميلا على درجة كبيرة من الأهمية .. وهمس ممدوح كأنه لا يصدق عينيه : إنه فضيلة الشيخ بشحمه ولحمه..!!
والتفت لصديقه يمسح عينيه من الدهشة : هل جاء فضيلته هنا ليحكم بكفركم ولعنكم ؟
وضحك سامح " إن لفضيلته حسابات لدينا بالعملات الصعبة والعملة المحلية وتنهال على فضيلته الشيكات من سائر أنحاء المعمورة بالدولار والدينار والريال والدرهم وبها يتضخم نصيب فضيلته وتتعاظم فوائده التي يدفعها له البنك ..
وفرك ممدوح في عينيه : لكنك لم تره وهو يصرخ معي بلعن الفوائد البنكية وكيف أنها رجس من عمل الشيطان ، ومن لم يبتعد عنها فمصيره جهنم ويئس المصير ..
وضحك سامح : لو كان صادقا مع نفسه ما أمسك بالعملة المصرية في يده وهى مكتوب عليها إن الذي يصدرها هو البنك المركزي المصري ، وهو في نظره بنك ربوى ..
وكان فضيلة الشيخ قد أنهى مصالحه وغادر البنك وسط الاحترام المعهود ..
وقهقه سامح قائلا : أنهم على مذهب الإمام ابن حنش القائل : هذه نقرة وهذه نقرة ..
وضحك الصديقان بمرارة..
وقال سامح : وكم ذا بمصر من المضحكات ولكنه ضحك كالبكا ..)
Aucun commentaire:
Enregistrer un commentaire